معنى الايمان

ولا يكون الإنسان مؤمنا إلا إذا تحققت فيه عدة شروط، منها :
1 - الإيمان بوجود الله، وهنا تحضرني قصة كان بطلها الإمام أبو حنيفة، أسردها عليك عزيزي القارئ : " ويذكر عن أبي حنيفة - رحمه الله - وكان معروفاً بالذكاء أنه جاءه قوم ملحدون يقولون له: أثبت لنا وجود الله فقال: دعوني أفكر، ثم قال لهم: إني أفكر في سفينة أرست في ميناء دجلة وعليها حمل فنزل الحمل بدون حمال، وانصرفت السفينة بدون قائد، فقالوا : كيف تقول مثل ذلك الكلام فإن ذلك لا يعقل ولايمكن أن نصدقه؟ فقال: إذا كنتم لا تصدقون بها فكيف تصدقون بهذه الشمس، والقمر، والنجوم، والسماء، والأرض، كيف يمكن أن تصدقوا أنها وجدت بدون موجد؟!. "(1
2 – الإيمان بربوبية الله : والربوبية لفظ مشتق من لفظ الرب والرب ويعني: الخالق، والمالك، والمدبر، ولا يغني واحد من هذه الثلاثة عن الآخر، فهو الخالق الذي أوجد الأشياء من عدم ، والمالك أي خلق الخلق وانفرد بملكه له كما انفرد بخلقه له، وهو المدبر لجميع الأمور وهذا بإقرار المشركين، فإنهم إذا سئلوا من يدبر الأمور؟ فسيقولون: الله فهو المنفرد بالتدبير.
3 - ثالثاً: الإيمان بألوهيته: أي أن تؤمن بأنه سبحانه هو الإله الحق، وأنه لا يشاركه أحد في هذا الحق لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولهذا كانت دعوة الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم هي الدعوة إلى قول: " لا إله إلا الله" . ولو أن أحداً آمن بوجود الله، وآمن بربوبية الله، ولكنه يعبد مع الله غيره فلا يكون مؤمناً بالله حتى يفرده سبحانه بالألوهية.
4 - رابعاً: الإيمان بأسمائه وصفاته: ويجب على من يؤمن بالله أن يقر بالأسماء والصفات اتباعاً لما جاء في كلام الله - عز وجل - قال تعالى: "وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا" ( سورة الأعراف: 180).
إذاً هذه هي الأمور التي يجب على المسلم أن يؤمن بها، حتى يصير مؤمنا، نسأل الله أن يرزقنا الإيمان .

لا شك أن هناك فرق كبير بين المسلم والمؤمن أو فلنقل بين الإيمان والإسلام، فالإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. أما الإسلام فيقصد به الاستسلام لله والخضوع له والانقياد لحكمه، فقد قال المولى عز وجل: " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ " (سورة الحجرات : 14).
ولذلك يفسر العلماء الإيمان بأنه الأعمال الباطنة، والإسلام بأنه الأعمال الظاهرة لأن أصل الإيمان التصديق بالقلب الذي هو يقينه وتصديقه، وأصل الإسلام هو الإذعان والانقياد، وهو يتطلب تجاوب بالجوارح .
وعلى ذلك فالمسلم هو الذي استسلم لأمر الله وانقاد له وأذعن وخضع له وتواضع وأطاعه طوعا وكرها دون تردد في أمر من أمور الدين، إذا أُمر بأمر بادر إليه، وإذا نُهي عن شيء في الإسلام تركه وابتعد عنه، يعتقد أن ما أمر الله به فإنه عين المصلحة، وما نهى عنه فإنه عين المفسدة، متى سمع بأن لله طاعة في كذا سارع إليها وأتى إليها محبا لها ومندفعا إليها اندفاعا كأنه يقاد باختياره دون أن يكون مكرها، فمثل هذا يسمى مسلما.
ولا يفوتني هنا عزيزي القارئ أن أذكرك بأن الشرع في أوقات كثيرة يستعمل الإسلام فيما يستعمل فيه الإيمان، ففي حديث جبريل المشهور فرَّق بينهما حيث قال: يا رسول الله، أخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره . وقال : أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا .
وهو هنا فسر الإيمان بالأعمال الباطنة؛ وذلك دليل على أنه هو في الأصل اليقين أو عمل القلب ، وفسَّر الإسلام بالأعمال الظاهرة؛ لأن الشهادتين ولو كانت قولية لكنها ظاهرة، ويظهر أثرها بأن يعبد الله وحده ويطيعه، والصلاة أمر ظاهر مشاهد والصوم كذلك أمر مشاهد، والزكاة إيتاؤها أيضا أمر ظاهر، والحج أمر ظاهر.
ورغم ذلك جاء الإيمان أيضاً في حديث النبي عليه الصلاة والسلام بمعنى الاسلام ففي حديث ابن عباس في وفد عبد القيس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: آمركم بأربع: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا الخُمس من المَغنم فجعل هذا هو الإيمان ذكر فيه الشهادتين والصلاة والزكاة.
فهو هنا فسر الإيمان بما يفسر به الإسلام .
والخلاصة حتى لا أطيل عليك عزيزي القارئ أن الإسلام يُفسر عند الإطلاق بالأعمال الظاهرة: الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم والحج، وتدخل فيه بقية الأعمال الظاهرة، وتكون الأركان الخمسة بمنزلة الدعائم التي يقوم عليها ولا يتم إلا بها.
وأن الإيمان فهو قول وعمل واعتقاد: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح ، فالقول باللسان يدخل فيه الأذكار والقراءة، الدعاء والأمر بالخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر والتحذير منه، والتعليم والتفهيم وإرشاد الضال، والسلام أو رده. .. وما أشبه ذلك. والعمل يدخل فيه عمل القلب وعمل الجوارح فعمل القلب في الحب في الله والبغض في الله والرضا بقضائه، والصبر على بلوائه والخوف منه ورجاؤه والتوكل عليه والتوبة إليه. .. وما أشبه ذلك فهذا عمل القلب . وعمل الجوارح مثل: الركوع والسجود والقيام والقعود والطواف والجهاد والحج وما أشبه ذلك.



دعوة إلى الإيمان بالله _ الجزء الأول
مقالات لزغلول النجار
نعلم جميعا أن الأرض التي نحيا عليها يعمرها اليوم حوالي سبعة مليارات نسمة من بني آدم, وقد عمرتها من قبل مليارات عديدة, كما ستعمرها في المستقبل مليارات أخرى من هذه السلالة المكرمة حتى نهاية هذا الوجود. وتشير قوانين الوراثة إلى أن هذه الأعداد المذهلة من البشر قد جاءت كلها من صلب أب واحد وأم واحدة وذلك بانقسام الشيفرة الوراثية المختلطة لهذين الأبوين الأولين. ولا يمكن لعاقل أن يتصور إمكانية إتمام هذا التسلسل العجيب للبلايين من بني الإنسان بشيء من العشوائية أو الصدفة, وذلك لأن العشوائية والصدقة لا ينتجان نظاما بديعا مثل نظام تناسل الحياة. ووصف طبيعة الأشياء بمجموع القوانين والسنن التي تحكمها لا يكفى لتفسير ذلك التسلسل البشرى المعجز، أو تفسير نظائره في باقي مجموعات الحياة من النبات والحيوان، وذلك لأن تلك القوانين والسنن تحتاج إلى واضع لها ومهيمن عليها , فمن الذي وضعها؟ ولا يزال يرعاها؟ ويهيمن عليها؟ غير الله الخالق-سبحانه وتعالى- !!
من هنا كانت هذه الدعوة لأهل الأرض جميعا إلى الإيمان بالله، ويمكن لنا تفصيل ذلك في النقاط التالية:
أولا: الصفات الوراثية للإنسان تشهد لخالقه بالألوهية والربوبية:
أثبتت العلوم المكتسبة أن الصفات الوراثية للمخلوقات الحية – ومنها الإنسان– تحملها جسيمات بالغة الدقة في داخل نواة الخلية الحية تعرف باسم الصبغيات (الكروموسومات), وأن عدد هذه الصبغيات محدد لكل نوع من أنواع الحياة, وأن أي حيود عن هذا العدد المحدد للنوع إما أن يقضى على جنينه في الحال فلا يكون، أو يسبب اختلالا في البناء الجسدي للكائن الحي يظهر على هيئة عدد من التشوهات الخلقية التي قد تفضي إلى الموت أو إلى العيش بعدد من الإعاقات الجسدية.
فالخلية العادية في جسم الإنسان، والتي لا يتعدى طول قطرها في المتوسط (03‚- مم ) بنيت بقدر مذهل من التعقيد, جعل لها قدرة على الأداء تفوق قدرات أكبر المصانع التي استحدثها الإنسان، بل التي فكر في إنشائها ولم يتمكن من تحقيق ذلك بعد. فنواة الخلية الحية هي عقلها المتحكم في جميع أنشطتها. هذه النواة المتحكمة في الخلية البشرية الحية يوجد (46) صبغيا في وفي داخل (23) زوجا، أحدها مخصص للقيام بمهمة التكاثر, والباقي مخصص للقيام بمهمات النمو الجسدي. وهذه الصبغيات الجسدية والتكاثرية تشغل حيزا في داخل نواة الخلية لا يكاد يتعدى حجمه واحدا من خمسمائة ألف من المليمتر المكعب, ولكن هذه الصبغيات إذا فُردت , وضمت أطرافها إلى بعضها البعض فإن طولها يصل إلى قرابة المترين . وهذان المتران يضمان (18.6 بليون جزيئا) من الجزيئات الكيميائية المعقدة، المرتبة ترتيبا في غاية الدقة والانتظام والإحكام إلى درجة أنه إذا اختل وضع ذرة واحدة في أي من هذه الجزيئات فإما أن يشوه المخلوق صاحب هذه الخلية أو لا يكون...!!
وإذا علمنا أن جسد الإنسان البالغ يضم تريليونات الخلايا , فإذا فردت صبغيات جميع الخلايا في جسد فرد واحد من أفراد الجنس البشرى, وتم رصها بنهاياتها الطرفية إلى بعضها البعض فإن طولها يزيد بأضعاف كثيرة على طول المسافة بين الأرض والشمس (والمقدرة بحوالي مائة وخمسين مليون كيلو مترا في المتوسط).
وإذا سلمنا بحقيقة أن مخزونا هائلا من المعلومات فائقة الدقة في الترتيب والنظام، وإحكام البناء موجود في داخل كل خلية حية من خلايا جسد كل فرد منا، وأن هذه المعلومات موجودة على هيئة عشرات بل مئات التريليونات من الكيلومترات طولا من الجزيئات الكيميائية المعقدة في البناء, والمنظمة في الترتيب بشكل شديد الإحكام، بحيث يعطى هذا الشكل لكل فرد من بني آدم بصمة وراثية خاصة به, تميزه عن غيره من البلايين الذين يملئون جنبات الأرض اليوم, والذين عاشوا وماتوا, والذين سوف يأتون من بعدنا إلى نهاية هذا الوجود الدنيوي, فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : من الذي وضع في جسد كل فرد منا هذا الكم الهائل من المعلومات ؟ ومن الذي رتبها هذا الترتيب المميز لكل إنسان ؟ مع تشابه التركيب الكيميائي للحمض النووي الريبى منزوع الأكسجين (dna) الذي تكتب به الشيفرة الوراثية في أجساد جميع البشر إلى (99.9%), ويبقى الاختلاف في جزء ضئيل جدا من الباقي الذي هو في حدود (1‚- %) فقط, فأي قدرة, وأي علم, وأية حكمة يمكن أن تحقق ذلك كله غير قدرة الله الخالق؟.
ثانيا: خلق الإنسان وبناؤه الجسدي يشهدان لخالقه بالألوهية والربوبية:
هذا بالنسبة إلى الخلية الحية الواحدة في جسم الإنسان، فإذا دخلنا في تفاصيل هذا البناء الجسدي : من تخصص كل من الأنظمة, والأجهزة, والأنسجة, والخلايا المتعددة والتي تعمل في توافق عجيب, وتكامل مذهل من أجل سلامة الجسد البشرى كله، فإن قدرة الله الخالق تتجلى بصورة أوفى وأعظم....!!
ويزداد العجب إذا علمنا أن هذه التريليونات من الخلايا المتخصصة, والتي تنتظمها أنسجة متخصصة لتكون أجهزة ونظما متخصصة في جسد كل فرد بالغ من بني الإنسان قد نشأت كلها من خليتين من خلايا التكاثر إحداهما من الأب (وهى الحيمن) التي لا يزيد طولها على (005‚- من المليمتر), والأخرى من الأم (وهى البييضة) التي لا يزيد قطرها عن (200‚- من المليمتر), وفى ذلك تمثيل عملي لخروج بلايين الأفراد من بني آدم من أب واحد (هو آدم عليه السلام) وأم واحدة (هي حواء عليها من الله الرضوان) على مسيرة تاريخ البشرية فوق سطح الأرض . والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو : من الذي قدر كل ذلك بهذه الدقة الفائقة , والإحكام الشديد ؟ وهل يمكن للعشوائية أو الصدفة أن تنتج شيئا من ذلك ؟ وهل يمكن لما يسمى باسم "الطبيعة" أو "الفطرة" وحدها أن ترتب الأمور بهذه الدقة الفائقة ؟ والجواب بالقطع هو : "لا" ...!!
وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى تأمل الجوانب الروحية والنفسية للإنسان: بمشاعره, وعواطفه وأحاسيسه, وملكاته, وقدراته، وانفعالاته، لدخلنا في متاهة لا نستطيع الخروج منها إلا بالخضوع الكامل لله الخالق- سبحانه وتعالى- وفى ذلك يقول ربنا -تبارك وتعالى-:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ ﴾ (المؤمنون:12-14).
ويقول-عز من قائل-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ (الحج:5).
وقال سبحانه: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ (الأنعام: 98) .
وقال –تعالى- ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ (التين:4).
ثالثا: الكون يشهد لخالقه بالألوهية والربوبية:
إذا عدنا من تأملات الإنسان في روعة بناء جسده المادي إلى شئ من التأمل في الكون من حوله لوجدنا أننا نعيش فوق كرة من الصخر تقدر كتلتها بحوالي ستة آلاف مليون مليون مليون طن, (5974 مليون مليون مليون طن), ويحيا على سطحها حوالي سبعة بلايين نسمة من بني آدم, وأكثر من مليون ونصف المليون نوع من أنواع الكائنات الحية التي يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد (مع العلم بأنه إذا أضيفت الأنواع المندثرة من صور الحياة, وحسبت معدلات اكتشاف الأنواع الجديدة سنويا فإن عدد أنواع الحياة الأرضية قد يصل إلى خمسة ملايين نوع , يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد).
ويحيط بالأرض غلاف مائي تقدر كتلته بحوالي (1.4 مليون مليون مليون طن)، وغلاف غازي له تركيب كيميائي محدد, وصفات طبيعية معينة تقدر كتلته بحوالي (5100 مليون مليون طن). وهذا الغلاف الغازي يفصل الأرض عن السماء الدنيا, ويحميها من العديد من المخاطر الكونية المحدقة بها.
وهذه الأرض تدور(في زماننا الراهن) حول محورها أمام الشمس دورة كاملة كل أربع وعشرين ساعة, وذلك من أجل تبادل الليل والنهار على سطحها بانتظام , ومع دوران الأرض حول محورها فإنها تجرى في مدار محدد لها حول الشمس بسرعة محسوبة بدقة فائقة، وبمحور مائل على هذا المدار لكي تتبادل الفصول المناخية الأربعة : الربيع , والصيف, والخريف, والشتاء، في تتابع محكم دقيق مرة كل سنة من سنين الأرض تقدر الآن بـ (365.25) يوما من أيامنا الحالية , منتظمة في اثنى عشر شهرا. وكانت دورة الأرض حول محورها عند بدء الخلق أسرع من معدلها الحالي بسته أضعاف، ولذلك كان طول الليل والنهار معا أقل من أربع ساعات، وكان عدد الأيام في السنة أكثر من (2200) يوما وفى ذلك يقول ربنا-تبارك وتعالى- في محكم كتابه:
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ﴾ (الأعراف:54) .
وهذا وغيره من أمور الأرض مقدر بدقة فائقة , لوا اختلت موازينها قدر شعرة ما كان هذا الكوكب صالحا للعمران بالحياة التى نعرفها , ومن ذلك دقة حساب كل من البناء الداخلي والخارجي للأرض , كتلتها , وحجمها , متوسط كثافتها , متوسط بعدها عن كل من القمر والشمس, مساحة كل من اليابسة والماء على سطحها , وتوزيع تضاريس هذا السطح ؛ تركيب كل من أغلفتها الصخرية , والمائية , والهوائية , والحياتية ؛ توزيع مناطقها المناخية ؛ تتابع دورات كل من صخورها , ومياهها , وحياتها ؛ تصريف الرياح من حولها ؛ وتعدد الظواهر المحيطة بها والجارية على سطحها , من مثل الزلازل والبراكين، والعواصف والأعاصير، والسحب والأمطار، والرعد والبرق، والصواعق والحرائق، وسقوط الشهب والنيازك وغيرها. و الاتزان الأرضي الدقيق بين العمليات الداخلية البانية , والعمليات الهدمية الخارجية , و بين المد والجزر , وبين كسوف الشمس وخسوف القمر، وتقدير كل من منازله ومنازل الشمس بين البروج، وغير ذلك كثير مما يتم بتقدير وإحكام ينفيان العشوائية والصدفة نفيا قاطعا ...!! ويشهدان للخالق –سبحانه وتعالى- بطلاقة القدرة، وبديع الصنعة، وإتقان الخلق.
وأرضنا واحدة من أحد عشر كوكبا يدور كل منها في مدار محدد له حول شمسنا لتكون ما يعرف باسم "المجموعة الشمسية" ؛ وشمسنا واحدة من حوالي تريليون نجم تكون مجرتنا (سكة التبانة أو درب اللبانة) وكما أن لشمسنا توابع من الكواكب , والكويكبات , والأقمار والمذنبات , فمن المرجح أن يكون لكل نجم من هذه النجوم توابعه , انطلاقا من وحدة البناء في الكون . ومجرتنا عبارة عن قرص مفلطح يبلغ طول قطره مائة ألف سنة ضوئية, وسمكه عشر ذلك. وبمجرتنا من النجوم وأشباهها , ومن السدم والدخان الكونى، ومن الثقوب السود ما يمثل تنوعا مذهلا في دقة توزيع كثافة المادة التي تترابط بالجاذبية في داخل المجرة. ومن هذه النجوم ما يمر بمراحل الميلاد والطفولة , ومنها ما ينعم بمراحل الصبا والشباب , والنضج والكهولة , ومنها ما يرزح تحت وطأة الشيخوخة و أهوال الاحتضار ...!! والنجوم عبارة عن أفران نووية عملاقة تتخلق بداخلها أغلب العناصر التى تحتاجها الحياة الدنيا (من الإيدروجين إلى الحديد) وذلك بعملية تعرف باسم "عملية الاندماج النووي", وتنطلق الطاقة اللازمة لاستمرار هذا الوجود الكوني , أما بقية العناصر التي يزيد وزنها الذري على الوزن الذري للحديد فتتخلق في صفحة السماء باصطياد نوى ذرات الحديد لبعض اللبنات الأولية للمادة، ويتم ذلك كله بتقدير وإحكام يشهدان للخالق العظيم بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.
وإلى مشارف القرن العشرين كان الفلكيون يتصورون أن مجرتنا هي كل الكون , ومع تطور أجهزة الرصد الفلكي ثبت أن بالسماء من أمثال مجرتنا ما بين مائتي ألف مليون مجرة وثلاثمائة ألف مليون مجرة , بعضها أكبر من مجرتنا كثيرا , والبعض الآخر في حجم مجرتنا أو أقل قليلا . وهذه الأعداد المهولة من المجرات مرتبة في مجموعات ونسق محكمة الأبعاد , والأعداد , والكتل , والأحجام، والكثافات, ومنضبطة الحركة والعلاقات انضباطا شديدا, ومن ذلك أن تكون عشرات من المجرات المتقاربة نسبيا تجمعات تعرف باسم "المجموعات المحلية" , وتلتقي عشرات من تلك المجموعات فيما يعرف باسم "الحشود المجرية" , ثم "التجمعات المحلية العظمى" , ثم "الحشود المجرية العظمى" إلى نهاية غير معلومة للسماء الدنيا التي لا يدرك الفلكيون منها أكثر من شريحة يقدر قطرها بأكثر من (25 بليون سنة ضوئية) و السنة الضوئية يقدر طولها بحوالي (9.5 مليون مليون كيلو متر).
تابع الجزء الثالث من بحث دعوة إلى الإيمان بالله
ثامنا: حاجة الإنسان إلى الدين تشهد بجود الله:
يؤكد لنا التاريخ المدون أن الإنسان لا يمكنه أن يحيا على هذه الأرض حياة سوية بغير دين , وأن الدين لا يمكن أن يكون صناعية بشرية . وذلك لأن الدين هو بيان من الخالق – سبحانه وتعالى- للإنسان في القضايا التي يعلم ربنا – تبارك وتعالى- بعلمه المحيط عجز الإنسان عجزا كاملا عن وضع أية ضوابط صحيحة لنفسه فيها , وذلك من مثل قضايا العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات , وذلك لكون هذه القضايا إما من الغيوب المطلقة كقضية العقيدة , أو من الأوامر الإلهية الخالصة كقضية العبادة , أو هي من ضوابط السلوك كدساتير الأخلاق، وفقه المعاملات . والعقيدة الصحيحة تطالب الناس جميعا بالإيمان بالله –تعالى- ربا واحدا أحدا, فردا صمدا, (بغير شريك, ولا شبيه, ولا منازع, ولا صاحبة ولا ولد) كما تطالبهم بالإيمان بأن هذا الإله الواحد الأحد , الفرد الصمد هو خالق كل شئ , وأن كل شئ سواه مخلوق بقدرة هذا الخالق العظيم , التي لا تحدها حدود , ولا يعوقها عائق .
وهذا الخالق العظيم مغاير في ذاته و أسمائه وصفاته لجميع خلقة , فلا يحده أى من المكان أو الزمان لأنه – سبحانه وتعالى- هو خالقهما ؛ ولا يتشكل من المادة أو الطاقة لأنه – تعالى- هو مبدعهما , والمخلوق لا يحد خالقه أبدا .
والإنسان -بحكم تكوينه- لا يستطيع إدراك إلا الأشياء المحسوسة، أي: المحددة بكل من المكان والزمان, والمُشَكَّلة بشكل من أشكال المادة أو الطاقة أو من كليهما معا. ولما كان الخالق العظيم منزها عن حدود كل من المكان والزمان, والمادة والطاقة, أي: منزها عن جميع صفات خلقه، وعن كل وصف لا يليق بجلاله , صعب على الإنسان معرفة خالقه دون وحى من هذا الخالق العظيم, وإن أدرك كل إنسان عاقل بديع صنع الله في نفسه , وفى الآفاق من حوله .
ولذلك عَرَّف ربنا –تبارك وتعالى- كلا من أبوينا آدم وحواء –عليهما السلام- لحظة خلقهما من الذي خلقهما، كما عرفهما على حقيقة رسالة كل منهما في الحياة الدنيا, ومصيره من بعدها. وبذلك كان آدم –عليه السلام- أول الأنبياء، بل كان نبيا مكلما كما وصفه خاتم الأنبياء والمرسلين –صلى الله عليه وسلم- في حديثه الصحيح.
وعلم آدم ذريته , وكلما عاشت البشرية بنور الهداية الربانية كلما سعدت وأسعدت، ولكن الإنسان فيه ميل للنسيان ورغبة في الخروج على الحدود التى حددها له الله فَيَضلُّ ويُضِلُّ , ويَشقى ويُشقى حتى تغرق البشرية في ظلام دامس من الضلالات، والمظالم، والضياع التام فيرسل الله – تعالى- نبيا يصطفيه من الناس ليردهم إلى الدين الصحيح، إن كان الدين لا يزال موجودا بين أيديهم وإن انحرفوا عنه. ولكن إذا كان الدين قد ضاع أو حُرِّف وبُدِّل أرسل الله – تعالى- رسولا مصطفى من بين الناس، ينزل عليه رسالة جديدة من نفس المصدر، بنفس العقيدة مؤكدا على وحدانية الخالق-سبحانه وتعالى-( أن أعبدوا الله ما لكم من إله غيره )، وعلى وحدة رسالة السماء، وعلى الإيمان بجميع الأنبياء، وعلى الأخوة بين الناس جميعا.
وظلت البشرية-عبر تاريخها الطويل- تتأرجح بين الإيمان والكفر, وبين التوحيد والشرك , وظلت الهداية الإلهية تتنزل إلى الناس في كل أمة من أمم الأرض لقول ربنا –تبارك تعالى- : ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ (فاطر:24)، حتى بلغ عدد الأنبياء مائة وعشرين ألف نبي، اصطفى الله -تعالى- من بينهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا. وكان لابد وأن يكون لتنزل الوحي من خاتمة وكان ختامها بعثة النبي و الرسول الخاتم، سيد الأولين والآخرين , سيدنا محمد بن عبد الله النبي العربي – صلى الله عليه وسلم-، فختمت ببعثته النبوات , وبرسالته كل الرسالات السماوية التي نسخها القرآن الكريم بعد أن ضيع أتباعها أصول تلك الرسالات، وأشبعوا ما بقى منها من ذكريات كثيرا من التحريف والتبديل والتغيير , الذي أخرجها عن إطارها الرباني، وجعلها عاجزة عن هداية أتباعها، خاصة وأن هذه الرسالات السابقة كلها كانت قد نقلت مشافهة من الآباء للأبناء , ومن الأجداد للأحفاد , وحين جاء وقت تدوينها تم ذلك بعد عدة قرون من موت أو رفع الرسل الذين تلقوها. و تم تدوين كل منها بلغات غير لغة الوحي بها , وبأيدي أناس مجهولين، ليسوا بالأنبياء ولا المرسلين، وليس لأي منهم أدنى قدر من العصمة اللازمة في التبليغ عن الله -تعالى-. ومن هنا كانت الرسالة الخاتمة ناسخة لكل ما أنزل قبلها من رسالات، ومهيمنة عليها هيمنة كاملة.
تاسعا: إن الدين عند الله الإسلام:
من ركائز العقيدة الإسلامية: الإيمان بالله –تعالى- و ملائكته، و كتبه و رسله و اليوم الآخر، و بالقدر خيره و شره. و الإنسان -المحبوسة روحه في هذا الجسد الطيني- لا تستطيع حواسه المحدودة إدراك الذات الإلهية، و إن كان الإيمان بالله- تعالى- مطبوعا فى جبلته . هذا الإنسان المفطور على الإيمان بالله - تعالى- إن لم يهتد إلى العقيدة الصحيحة , فإما أن يصطنع لنفسه عقيدة فاسدة يملأ بها الحاجة الداخلية في ذاته إلى العبادة , أو أن يعيش في هذه الدنيا هائما على وجهه بغير عقيدة، و كلا الحالين لن يفيده بشيء في الدنيا ولا في الآخرة , بل سوف تُلْقَى كل من أعماله و كفره أو عقيدته الفاسدة في وجهه يوم القيامة كالخرقة البالية، مهما أخلص لها وتفانى في خدمتها ...!!
أما الملائكة فهم عالم غيبي لا توجد لدينا وسيلة مادية لإثبات وجودهم, ولولا أن الله – تعالى- قد أخبرنا بوجودهم ما كان أمامنا من وسيلة لمعرفة ذلك.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الرسل السابقين وكتبهم، فالتاريخ المكتوب لم يدون لنا شيئا عنهم, و لا عنها، ولولا إخبار الله –تعالى- لنا عن بعضهم ما كان أمامنا من وسيلة للتعرف عليهم ولا على أممهم.
وأما عن اليوم الآخر , وما فيه من بعث , وحشر , وحساب وجزاء , وميزان وصراط , وجنة ونار , فلولا أن الله – تعالى- قد أخبرنا عن ذلك ما كان أمامنا من وسيلة للتعرف عليه , على الرغم من توفر كل الشواهد المادية العديدة على حتمية فناء الكون و فناء كل ما فيه من أحياء وجمادات .
من هنا كانت ضرورة أن تكون العقيدة بيانا ربانيا خالصا لا يداخله أدنى قدر من التصورات البشرية وإلا كانت عقيدة فاسدة, تقود أتباعها حتما إلى النار مهما أخلصوا لها وتفانوا في خدمتها...!!والركيزة الثانية للدين هي العبادة , وهى بمفهومها اللغوي قمة الخضوع لله بالطاعة , ولا توجد طاعة بغير أوامر , فإذا لم يتلق الإنسان بينا من الله – تعالى- يوضح تفاصيل العبادة التى يرتضيها من عباده، فإما أن يبتدع الإنسان من عنده أنماطا من العبادة لم يفرضها عليه خالقه،أو لا يعبد هذا الخالق العظيم، علما بأن عبادته – تعالى- من أول أسباب وجود الإنسان في هذه الحياة الدنيا. كذلك لا يمكن لعاقل أن يتخيل إمكانية ابتداع الإنسان لنمط من العبادة , ثم افتراض قبولها من الله –تعالى-، لما في ذلك من منافاة لحقيقة العبودية لله الخالق , و من تألُّهٍ على جلاله، وهو رب هذا الكون ومليكه , وهذا موقف يرفضه العقل السليم , والمنطق السوي رفضا كاملا .
أما الأخلاق والمعاملات فهما من ركائز الدين, ومن ضوابط السلوك البشري, والتاريخ يؤكد لنا عجز الإنسان عجزا كاملاً عن وضع ضوابط صحيحة لسلوكه, وما تعج به الأرض اليوم من قهر واستبداد، وجور ومظالم , ومن كثرة بحار الدماء, وأكوام الأشلاء , وساحات الحروب وما تخلفه من الخراب والدمار, ومن مختلف صور ضياع الإنسان وتحلله، وانحرافه ومفاسده، وانفلاته من جميع الضوابط الربانية لأخلاقه وسلوكه، لهو خير دليل على عجز الإنسان عن وضع ضوابط صحيحة لنفسه في دائرة الأخلاق والسلوك.
وإذا سلمنا بهذه المقدمات التى تقضى بأن الإنسان لا يمكنه أن يحيا على هذه الأرض حياة سوية بغير دين , وأن الدين لا يمكن أن يكون صناعة بشرية , ظهرت لنا العلامة الفارقة بين دين صحيح ودين غير صحيح , وهذه العلامة هي دقة حفظ الأصول السماوية للدين. ولما كان الوحي السماوي الوحيد المحفوظ بين أيدي الناس اليوم في نفس لغة وحيه (اللغة العربية) على مدى يزيد على أربعة عشر قرنا هو القرآن الكريم الذي تعهد ربنا –تبارك وتعالى- بحفظه تعهدا مطلقا حتى يبقى شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه هداية رب العالمين، وشاهدا للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة وبذلك تتضح حاجة الإنسانية كلها إلى الإسلام العظيم .
فكما أن إلهنا واحد فلابد وأن تكون هدايته للبشرية واحدة ,وهذه الهداية علمها الله –تعالى- لأبينا آدم –عليه السلام- لحظة خلقه , وأنزلها على عدد كبير من أنبيائه ورسله , ثم أكملها وأتمها، وحفظها في القرآن الكريم , وفى سنة خاتم الأنبياء والمرسلين -صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين- ولذلك قال –تعالى- :
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ (آل عمران : 19).
ومن معاني هذه الآية الكريمة أن الدين الوحيد الذي يرتضيه ربنا –تبارك وتعالى- من عباده هو الإسلام بمعنى الطاعة لأوامر الله –تعالى- واجتناب نواهيه , وتحكيم شرعه الذي أنزله في محكم كتابه ، ودعوة الناس جميعاً إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , وتوحيد الله –تعالى- توحيدا كاملا (– بغير شريك , ولا شبيه , ولا منازع , ولا صاحبة ولا ولد ) وتنزيهه –جل شأنه- عن جميع صفات خلقه , وعن كل وصف لا يليق بجلاله .
ومن معاني هذه الآية الكريمة أيضا: أن كل نبي من أنبياء الله , وكل رسول من رسله قد بعث بالإسلام , وإن اختلفت تفاصيل بعض التشريعات باختلاف الأزمنة والبيئات.
وتؤكد الآية الكريمة أن اختلاف أهل الكتاب في قضية التوحيد جاء من قبيل البغي والاعتداء والظلم بينهم حينما تخلوا عن دين الله , وحرفوا كتبه , واشتروا بها ثمنا قليلا , افتراء على الله , واستهانة بعقابه , ولذلك ختمت الآية الكريمة بتهديد شديد من الله –تعالى- لهم يقول فيه : ﴿... وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ (آل عمران : 19)
ولما كانت بعثة سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- تمثل ختام النبوة , وختم رسالات السماء فقد تعهد ربنا –تبارك وتعالى- بحفظ هذه الرسالة الخاتمة في القرآن الكريم , وفى سنة خاتم الأنبياء المرسلين–صلى الله عليه وسلم- فقال – عز من قائل - :
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ( الحجر : 9).
ومجرد حفظ القرآن الكريم على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد , في نفس لغة وحيه
( اللغة العربية) دون أن يضاف إليه أو ينقص منه حرف واحد هو من معجزات هذا الكتاب الخالد ، ومن الشهادات الدالة على صدقه , وعلى صدق هذا الوعد الإلهي المطلق الذي قطعه ربنا – تبارك وتعالى- على ذاته العلية بحفظه، وعلى صدق الرسول الخاتم الذي تلقاه–صلى الله عليه وسلم- . وهذا الوعد الإلهي القاطع يؤكد أن القرآن الكريم سيبقى محفوظا بحفظ الله -تعالى- إلى ما شاء الله رب العالمين، وسيبقى، شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين بأنه كلام رب العالمين , وشاهدا للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة . كما يؤكد على أن الإسلام كان دين كل نبي وكل رسول من لدن أبينا آدم -عليه السلام- إلى بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله وسلم وبارك عليه و عليهم أجمعين- ولكنه اكتمل , وتم , وحفظ في القرآن الكريم وفى سنة خاتم النبيين , ولذلك خاطبه الله -تعالى- بقوله العزيز ﴿...اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً... ﴾ ( المائدة : 3 ).
عاشرا: إعجاز القرآن الكريم للخلق أجمعين بمعنى عجزهم جميعا عن الإتيان بشيء من مثله يشهد بأنه كلام الله:
سبق وأن أشرنا إلى أن القرآن الكريم هو الصورة الوحيدة من كلام رب العالمين المحفوظ بين أيدي الناس اليوم بنفس لغة وحيه ( اللغة العربية) ولذلك تتعدد جوانب الإعجاز فيه بتعدد زوايا النظر المحايد إليه (بمعنى عجز الإنس والجن فرادى ومجتمعين عن الإتيان بشيء من مثله), ومن ذلك ما يمكن إيجازه فيما يلي:
1- الإعجاز اللغوي(الأدبي, البياني, البلاغي, النظمي, اللفظي والدلالي): جاء القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا بتحدٍ صريح للإنس والجن -فرادى ومجتمعين- أن يأتوا بشيء من مثله , ولا يزال هذا التحدي قائما دون أن يتقدم عاقل ليقول أنه استطاع نظم سورة من مثل سور القرآن الكريم . وقد كان العرب في زمن الوحي هم أرباب البلاغة والفصاحة وحسن البيان, واعترف الكفار منهم -قبل المسلمين- بتفوق القرآن الكريم على كل إبداعاتهم اللغوية من شعر ونثر (أنظر كتاب "التعبير القرآني" للأستاذ الدكتور فاضل صالح السمرائى).
2- الإعجاز الاعتقادي: بمعنى أن توحيد الله –تعالى- توحيدا مطلقا فوق جميع خلقه هو اصح من الشرك بالله, وأن تنزيه الله –سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله أفضل من الانحطاط بمدلول الألوهية إلى مستوى الإنسان أو الحيوان أو الجماد، وهذا التنزيه للذات الإلهية يتطابق مع كل منطق سوى , ومع كل معطيات العلم الذي ينادى اليوم بأن الكون الذي نحيا فيه لابد له من مرجعية في خارجه , تكون مغايرة له مغايرة كاملة, لا يحدها أي من المكان أو الزمان , ولا يشكلها أي من المادة أو الطاقة. وخلق الكون في زوجية واضحة (من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان) وبناؤه على نظام واحد من الذرة إلى المجموعة الشمسية إلى المجرة يؤكد على وحدانية الخالق –سبحانه وتعالى- وعلى تفرده فوق جميع خلقة بصفات الإلوهية، والربوبية، والخالقية، والوحدانية المطلقة.
كذلك فإن الإيمان بوحدة رسالة السماء ( المنطلقة من حقيقة الإيمان بوحدانية الخالق سبحانه وتعالى) وبالأخوة بين الأنبياء (انطلاقا من الإيمان برسالتهم الواحدة) ، وبالأخوة بين الناس جميعاً باعتبارهم إخوة وأخوات ينتهي نسبهم إلى أب واحد ، وأم واحدة هما (آدم وحواء عليهما السلام)، هو أفضل من التحلق حول نبي واحد ، والمبالغة في تعظيم شأنه حتى الارتقاء به وهما خاطئا إلى مقام الألوهية، ونسيان بقية الأنبياء والمرسلين أو إنكارهم. كذلك فإن المؤاخاة بين الناس جميعا—على اختلاف أعراقهم، وألوانهم، ولهجاتهم- هو أفضل من التمييز العرقي ، أو الطبقي ، أو الديني ، أو على أي أساس آخر .
والإيمان بعوالم الغيب التي أخبر عنها القرآن الكريم من مثل عوالم الملائكة والجن أفضل من إنكارها بغير علم ، والمعطيات الكلية للعلوم تؤكد على أن الغيوب تحيط بنا من كل جانب ، وتكفى في ذلك الإشارة إلى معطيات علوم الفلك التي تعترف بأن ما يراه الفلكيون في الجزء المدرك من السماء الدنيا لا يكاد يتعدى (10%)من حقيقة ما هو موجود فيها من مختلف صور المادة والطاقة المحسوبة رياضيا حسب قوانين الفيزياء الفلكية.
والإيمان بأن العدل الإلهي يقتضى ألا يحاسب الناس بدون إنذار ، وأنه ما من بقعة مأهولة من بقاع هذه الأرض إلا وأرسل إلى أهلها نبي أو رسول ، والإيمان بهم جميعا وبما أرسلوا به أفضل من التحلق حول نبي واحد منهم، وقد أخبرنا القرآن الكريم عن خمسة وعشرين من الأنبياء والمرسلين لم يدون التاريخ شيئاً عنهم وإن كانت آثار أممهم تملأ جنبات الأرض ، والدراسات الآثارية الحديثة بدأت في الكشف عن عدد منها.
والإيمان بالآخرة وبما فيها من بعث ، وحشر ، وحساب وجزاء أفضل من إنكارها ، والإشارات العلمية كلها تشير إلى حتمية فناء الكون والكائنات . كذلك فإن كثيرين من عتاة المجرمين ومن الحكام والمتجبرين يفلتون من سيف العدالة في الدنيا ، ولابد من الاقتصاص منهم في الآخرة، وهذا الأمر وحده كاف لإثبات حتمية الآخرة و ضرورتها.
والإيمان بالقضاء والقدر ـ خيره وشره ـ هو تسليم لله ـ تعالى ـ بأنه هو رب هذا الكون ومليكه ، وسيده ومدبر أمره ، فلا يحدث فيه أمر إلا لحكمة بالغة ، وهنا تتجلى قيمة الإيمان بالقضاء والقدر ، لأن الحرمان من هذا التسليم لله ـ تعالى ـ هو مبعث للشقاء بلا طائل لأن قدر الله نافذ -رضي الإنسان أو أبى- وفى الرضا إيمان بالله - تعالى- وتسليم بقضائه وطاعة له، وراحة للضمير الإنساني، بينما في الاعتراض كفر بقضاء الله وقدره ، ورفض لحكمه ، وإرهاق للنفس دون طائل ، وقدر الله ـ تعالى ـ نافذ لا محالة.
3- الإعجاز التعبدي : فما من فريضة فرضها الله ـ تعالى ـ على عباده في محكم كتابه إلا ومردودها الإيجابي على المتعبد نفسه ظاهر للعيان : من الشهادتين بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، إلى إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً . وكل عبادة من هذه العبادات أفضل من كل الوثنيات الموضوعة عند المتعبدين من أهل الكتاب وغيرهم .
وتكفى في ذلك الإشارة إلى ما ثبت من توسط مكة المكرمة لليابسة، مما يؤكد على أنها أقدم بقاع الأرض، و بها أول بيت وضع للناس؛ كما تكفى الإشارة إلى إثبات أن خط الطول المار بمكة المكرمة هو خط الطول الوحيد المتجه إلى الشمال الحقيقي للأرض، بينما يميل خط طول جرينتش –الذي فرض على العالم بحد السيف- (7.5) درجة إلى الغرب، ولذلك يجب اتخاذ خط طول مكة المكرمة خط طول الأساس لجميع الأرض بمعنى أن ما يقع إلى الشرق منه يعتبر شرقا، وما يقع إلى الغرب من يعتبر غربا، حتى ينتظم شكل خرائط الأرض.
4- إعجاز الدستور الأخلاقي : بمعنى كماله ومواءمته للطبيعة البشرية مواءمة كاملة بغير غلو ولا إقلال (انظر: دستور الأخلاق في القرآن للدكتور محمد عبد الله دراز-رحمه الله- ).
5- الإعجاز التشريعي: ويتضح من عدم المماثلة بين الشريعة الإلهية والقانون الوضعي، فالشريعة تتسم بالكمال ، والسمو ، والدوام في كل أمر شرعته، من الأمر بالشورى إلى تشريعات الأسرة ، إلى تحريم الخمر والميسر ، إلى تشريعات الإثبات والتعاقد ، إلى تشريعات كل من الحدود والتعازير ، والكفارات المختلفة ، وغيرها . وكل واحد من هذه التشريعات كل من الإلهية له حكمته ومردودة الإيجابي على المجتمع ، بينما جميع القوانين الوضعية تتسم بالنقص ، وعدم الكمال ، وفقدان القدرة على الاستمرارية(أنظر كتاب التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي للشهيد عبد القادر عودة) .
6- الإعجاز التاريخي: ذكر القرآن الكريم قصة خلق أبوينا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ بشئ من التفصيل ، والمعطيات الكلية للمعارف المكتسبة تؤكد ذلك وتدعمه . كذلك ذكر هذا الكتاب العزيز قصة أربعة وعشرين نبياً آخرين ، وكيف تفاعلت أمة كل نبي منهم معه ؛ وماذا كان جزاؤها ، والاكتشافات الآثارية تؤكد دقة كل ما جاء في كتاب الله عن كل أمة من هذه الأمم، وعما جاء عن أعداد من الصالحين والطالحين من الرجال والنساء الذين عايشوا تلك الأمم، مما يجعل هذا القصص القرآني شهادة صدق لكتاب الله، ومن ذلك الكشف عن كل من بقايا سفينة نبي الله نوح-عليه السلام- فوق جبل الجودى، وعن إرم ذات العماد في الجنوب الشرقي من صحراء الربع الخالي. وعن آثار كل من قوم صالح، وقوم لوط، وآثار كل من نبي الله سليمان وملكة سبأ، وفرعون موسى، وأصحاب الكهف، وغيرهم، (انظر كتاب الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم لكاتب هذه الدعوة).
7- الإعجاز العلمي في القرآن الكريم : يحوى القرآن الكريم أكثر من ألف آية بكل منها إشارة أو أكثر من إشارة علمية إلى حقيقة من حقائق الكون ، وجاء ذلك بين ثنايا آيات القرآن الحاملة لركائز الدين الأربع الأساسية (من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات) . وهذه الحقائق العلمية -في مجملها- لم تصل إليها المعارف المكتسبة إلا في القرنين الماضيين ، وأغلبها لم تتبلور مفاهيمها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين. وهذا السبق العلمي للقرآن الكريم (في زمن لم يتوفر للإنسان أية وسيلة من وسائل الكشف العلمي) لا يمكن تفسيره إلا بكون هذا الكتاب العزيز كلام الله الخالق في صفائه الرباني ، وإشراقاته النورانية ، وأنه حفظ حفظاً كاملاً بوعد من الله – تعالي- . وهذا السبق بإيراد العديد من حقائق الكون , والإنسان والحياة، هو ما يجمع تحت مسمي " الإعجاز العلمي في القران الكريم "(أنظر كتب السماء، والأرض، والنبات، والحيوان، وخلق الإنسان، والإنسان من الميلاد إلى البعث لكاتب هذه الدعوة).
8- الإعجاز النفسي: يخاطب القران الكريم النفس الإنسانية خطاب الخبير العليم بدخائلها , ويرتقي بها في معارج الله كما لا يقوي أي خطاب أخر علي الارتقاء بها , ويفصل دقائقها , ومزاياها , وأمراضها وعللها تفصيل العليم بخباياها, الخبير بمزايها ونقائصها.(انظر مؤلفات الأستاذ الدكتور محمد عثمان نجاتى –رحمه الله-).
9- الإعجاز الإنبائي في القران الكريم :أخبر القرآن الكريم بعدد من الأحداث قبل وقوعها , وقد تم تحقق جزء منها, ولا زالت الإنسانية في انتظار تحقق الباقي من هذه الأحداث، زمن ذلك قوله -تعالى-﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ ﴾ (الروم1-4).
10- الإعجاز الاقتصادي: ويكفي في ذلك الإشارة إلي تحريم الربا بمختلف صوره وأشكاله، خاصة في التعاملات المالية, والتشديد في إجراءات الإثبات والتعاقد عند كتابة العقود والحقوق والديون، والعدل المطلق في أحكام المواريث , والتحذير من الغش في الصنعة، ومن تطفيف الكيل والميزان في التجارة .
11- الإعجاز الإداري: ويتلخص في الحرص علي تولية الكفاءات العالية , وفي المحافظة علي إنسانية الإنسان، والعمل علي تطوير قدراته باستمرار(وذلك بتشجيعه علي كسب المعارف , وتنمية المهارات، ومكافأته علي كل انجاز ناجح يحققه)، والعدل بين المرؤوسين , والمساواة بينهم في الحقوق والواجبات , والعمل علي تطوير قدرات كل فرد منهم باستمرار .
12- الإعجاز التربوي: ويتلخص في توصيات القرآن الكريم بالحرص علي اكتساب المعارف النافعة, وعلي تحليلها وغربلتها بمعايير الإسلام, والدعوة إلي اكتساب العلم, وإلي توقير العلماء، والتركيز علي شمولية المعرفة الإنسانية مع احترام التخصص.
13- إعجاز الشمول: بمعني قدرة القرآن الكريم علي تناول كل شيء في الوجود ورَدَّه لحكم الله خالق الوجود, وقدرته علي تقديم الإجابات الشافية لكل ما يعن للفكر الإنساني من تساؤلات، وعلى التشريع لكل من الفرد , والأسرة , والمجتمع , والدولة , وللناس أجمعين في كل مكان وفي كل زمان بعدل منقطع النظير, وعلى تناول كليات الأشياء تاركا التفاصيل لاجتهاد الإنسان بما يعجز عنه كل كتب الأرض، ومن ذلك التشريع للأسرة في الزواج، والطلاق والعدة، والميراث، والأمر بالمساواة بين الأبناء، و الحض على صلات الرحم، ورعاية الأيتام، والأرامل، والعجزة وتوقير كبار السن، ورحمة الصغار، وحسن التواصل بين الناس جميعا.
14- الإعجاز الصوتي: يتميز القران الكريم بسلاسة أسلوبه , وبالدقة البالغة في موافقة ألفاظه للمعاني المقصودة منها, مع السهولة في تركيب جمله, والانسياب في النطق بآياته , مع روعة الجرس الذي ييسر حفظه, ويطرب السمع والعقل والقلب لموافقة الصوت للمعني السامي المقصود, جذبا لانتباه كل من القارئ والسامع, وتأثيرا في أعماق كل منهما. والجرس الجميل هو ميزة صوتية للقران الكريم كله يعجز عنها أي أسلوب آخر, لأنه يحرك كلا من العقل والقلب نحو سلسلة من المعاني المتصلة بالكلمة التي تتداعي مع غيرها من كلمات الآية الواحدة، ومع كلمات ما يسبقها وما يلحق بها من آيات , مع تكامل في المعني , وانسجام في الصوت , ويسر في الانتقال , وجمال في الإيقاع لا تستطيعه أساليب المخلوقين فرادى ومجتمعين.
15- إعجاز رسم الحروف في القران الكريم : يتميز الحرف العربي بالجمال والتناسق والطواعية للتشكيل، وقد وضعت لكتابة المصحف العثماني قواعد لخطه ولرسم حروف كلماته, ومن هذه القواعد : الحذف , والزيادة, والهمزة، والبدل, والفصل, والوصل, وذلك من اجل استيعاب كل اللهجات العربية, وفي مقدمتها لهجة قريش, وغيرها من لهجات العرب, وذلك من أجل إمكانية حمل الآية الواحدة لأكثر من معني واحد, كلها يتحملها النص, في تكامل لا يعرف التنافر أو التضاد، وليس هذا لغير القران الكريم .
16- إعجاز الحفظ للقران الكريم : حفظ كتاب الله علي مدي يزيد علي أربعة عشر قرنا , في نفس لغة وحيه ( اللغة العربية ) دون خطأ واحد في اللغة، أو في العقيدة، أو في العبادة , أو في دستوري الأخلاق والمعاملات , أو في الإشارات العلمية , أو في سرد الأحداث التاريخية , أو في توجيه الخطاب إلي النفس الإنسانية, أو في التركيز على عدد من القواعد الاقتصادية و الإدارية , أو في غير ذلك من الأمور التي جاء بها هذا الكتاب العزيز.
ويتجلي إعجاز الحفظ للقران الكريم بصورة أوقع في ضياع جميع أصول الرسالات السابقة بلا استثناء , وتعرض ما بقي عن بعضها من ذكريات للتحريف تلو التحريف , وللتأليف والتزييف، خاصة وأن هذه الذكريات قد دونت بلغات غير لغة الوحي بكل منها، وقد كتبت بعد قرون من موت أو رفع الرسل الذين أرسلوا بها وجمعت من أفواه الناس اعتمادا على ما يمكن أن تكون قد وعته الذاكرة وفهمه العقل؛ ثم صيغت بأقلام من هم ليسوا بأنبياء ولا بمرسلين ,وظلت تتعرض للتحرير تلو التحرير , وللحذف والإضافة , وللتحريف والتزوير إلي يومنا الراهن , وسوف تبقي كذلك إلي قيام الساعة .
17- إعجاز التحدي بالقرآن الكريم: جاء بالقرآن الكريم العديد من الآيات التي تتحدى كلا من الإنس والجن على أن يأتوا بشيء من مثله: في أسلوبه , ومحتواه، ومضمونه دون خطأ واحد علي كثرة الموضوعات التي تناولها هذا الكتاب العزيز, وإلي اليوم لم يتقدم عاقل فيقول إنه استطاع الإتيان بشيء من مثل سورة واحدة من قصار سور القرآن الكريم – علي كثرة محاولات أعداد من الشياطين والمجانين من المجادلين بالباطل – الذين فشلوا في ذلك التحدي فشلا ذريعا .
كل هذه الجوانب (وغيرها كثير) مما يشهد للقران الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية ، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله , وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية، في نفس لغة وحيه ( اللغة العربية )، وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقاً حتى يبقى القرآن الكريم نبراس الهداية الربانية للخلق أجمعين إلى يوم الدين، وحجة الله-تعالى- على عباده قاطبة، وشهادة للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة .




